Archive for July, 2013

h1

ما بعد مشروع الديسي

July 31, 2013

أما ان تم إفتتاح مشروع جر مياه حوض الديسي الى عمّان أخيراً، فقد تنفس المسؤولون والمواطنون الصعداء. فها هو المشروع الذي طالما إنتظروه وقد أنجز. لقد حُلت مشكلة المياه وجاء الفرج.   سيتم ضخ 100 مليون متر مكعب سنوياً الى العاصمة التي كانت تستهلك حتى هذه اللحظة 125 مليون متر. وإذا علمنا بأن المياه الجوفية في المدينة تزودها بحوالي 35 مليون متر مكعب، ويتم ضخ حوالي 42 مليون متر مكعب من وادي الأردن، فيمكن الإستغناء جزئياً أو كلياً عن المصادر الأخرى مثل مياه حوض الأزرق ومحافظات الكرك ومأدبا والتمتع بوفرة لم نعهدها من قبل.

ولكن الوفرة غالباً ما تؤدي الى التراخي والتساهل والتبذير. كما أننا نعلم بأن مياه الديسي ليست متجددة، وبالتالي ليس مصدر مستدام. كما أن الأنظمة الإقتصادية والإجتماعية والبنى التحتية التي تقوم على الوفرة يصعب إعادة أقلمتها على القلة (العكس ليس صحيحاً بالطبع). لذا، فيجدر بنا التساؤل حول ما ستؤول اليه الأمور بعد 40 أو 50 سنة من الآن عندما عندما نقترب من مرحلة إستنزاف الحوض.

قد يقول قائل بأننا في حِل من التفكير بهذا الأمر لبعده زمنياً. ولكن جوهر التخطيط هو إستشراف وصياغة المستقبل، لا إنتظار ما سيحصل ومن ثم التندم حيث لا ينفع ذلك. في المدارس درسنا عن الشيخ الذي زرع شجرة زيتون، لا ليستفيد منها هو ولكن ليستفيد منها من يأتي من بعده. ما أبعدنا عن هذه الحكمة الآن.

ثم أن المشاريع الكبرى تأخذ زمناً طويلاً للإنجاز. فيكفي أن نتذكر بأن مشروع الديسي نفسه إستغرق إنجازه منذ بدء التفكير به أكثر من عشرين عاماً. لذا يجب علينا التفكير بالفترة القادمة كفترة لإلتقاط الأنفاس والتفكير العقلاني بعيد المدى، لا كفترة خمول وإستمتاع بما نحن فيه الآن.

فهل هنالك من بدائل؟ لقد تم التعويل كثيراً على مشروع قناة البحرين والذي لم تُسلم تفارير دراسات الجدوى الإقتصادية والأثر البيئي النهائية له لغاية الآن. مسودة تقرير الجدوى والموجود على موقع البنك الدولي (ممول الدراسة) يشير الى ارتفاع كلفة المياه المنتجة من المشروع بالقول “ومن الواضح أنه إذا تم استغلال التكلفة الإجمالية لرأس مال المشروع في دفع رسوم المياه المحلاة والطاقة المائية، فإن تكلفة وحدة المياه ستكون مرتفعة للغاية، وربما الا يمكن تحملھا ناھيك عن احتمالية عدم الموافقة عليھا من الناحية السياسية.” وينتهي بإقتراح تحميل أجزاء من الكلفة على الفوائد غير مدرة للدخل وهي الحفاظ على منسوب البحر الميت من دون إقتراح من سيقوم بالدفع. فمن الواضح ان الجدوى الإقتصادية للمشروع مشكوك بها ومن المهم عدم التعويل بشكل كلي عليه.

إذا ما البدائل الأخرى؟ أعتقد بأن الحلول الممثلة بالمشاريع الكبرى غير متوفرة (بإستثناء ربما الطاقة النووية، ولكن ذلك حديث آخر). ولكن يجب علينا إعادة النظر الى مجمل منظومة إستهلاكنا للمياه والطاقة والحيّز لنصل الى حالة شمولية من الإستدامة النسبية. إذ ان إدارتنا لهذه الموارد بالنهج الحالي سيؤدي الى هدرها ورفع كلفة الخدمات المرتبطة بها من غذاء وكهرباء ونقل وبنية تحتية وغيرها الكثير، مما سيسبب بانخفاض في مستويات الحياة.

بتقديري فإن الوصول الى حالة من الإستدامة الجزئية يجب أن تستند الى تغيير في آليات التفكير والتخطيط والعمل، حيث ان الآليات التي نستخمها الآن لا يمكنها ان تصلنا الى الغاية المنشودة. تالياً بعض الأمثلة على ذلك:

1-      إدارة المياه الجوفية: إن إستدخدام هذا المورد بشكل مستدام بالضرورة يتطلب ان تكون كميات المياه المستخرجة من الخزانات الجوفية مساوية لكميات الشحن لهذه الخزانات. ولكن من الملاحظ ان مناسيب المياه الجوفية في إنخفاض مستمر في معظم أحواض المملكة، مما يعني عدم وجود الإتزان المطلوب. يمكن إعادة الإتزان إما من خلال خفض الإستهلاك او من خلال زيادة التغذية. وبسبب حاجات السكان المتزايدة، فإن الخيار الأول غير متاح عملياً. ولكن معرفة المسؤولين والخبراء لطبيعة آلية شحن المياه الجوفية وخصائصها وأماكنها وكيفية تعزيزها ضعيفة، والأبحاث التي اجريت عن هذا الموضوع قليلة ولم تأخذ نتائجها اي شكل من الإهتمام من قبل المسؤولين الذين يرتكز إهتمامهم على إدارة المشاكل اليومية ولا يتوفر لديهم رفاهية الوقت للتخطط الإستراتيجي.

2-      آليات اتخاذ القرار بالنسبة للتوسع العمراني: حيث اتت التوسعات العمرانية على الأراضي الزراعية لمدن عمان والسلط وإربد ومأدبا وغيرها. هذا التوسع ادى ليس فقط الى فقدان هذه الأراضي للزراعة، ولكنها ايضأ قللت من شحن المياه الجوفية بسبب وضع الطبقات الكاتمة من الشوارع والمباني التي تمنع تسرب نسبة كبيرة من الأمطار من خلال التربة الى الخزانات الجوفية. ويلاحظ بوضوح عدم إهتمام المخطط الشمولي لمدينة عمان بموضوع شحن المياه الجوفية والمحافظة على مناطق الشحن، بالرغم من التغني بموضوع الإستدامة. يجب أشراك خبراء الزراعة والبيئة والهيدرولوجيا والبنى التحتية في قرارات إستخدامات الأراضي، لا ان تخضع للمصالح والمزاجية المعتادة.

3-      الإستسلام لمنطق التوسع اللانهائي لمدينة عمان وإضمحلال الأرياف والمدن الأخرى. بالطبع هذا المنطق هو الذي أدى الى فكرة مشروع جر مياه الديسي بداية. إن استجلاب المياه والموارد الى مدينة عمان وتشجيع توسعها فكرة مكلفة بالإضافة الى انها غير عادلة بشكل واضح. يجدر بنا التفكر بشكل مختلف وغير تقليدي لتحسين الظروف الإقتصادية والمعيشية لمحافظات المملكة، لا فقط انها مستودعات لموارد مخصصة لمدينة بعينها.

بالطبع يمكن إضافة العديد من الأمثلة الأخرى. نهاية الحديث هو ان قراراتنا اليوم ستحدد مصير مستقبل ابناءنا وأحفادنا، ونحن امام فرصة ذهبية لإلتقاط الأنفاس والتفكير بروية وتعديل ما هو غير ملائم من ممارساتنا. فهل نفعل؟

جريدة الغد 31/7/2013 صفحة 15