Archive for December, 2012

h1

الربيع العربي والبيئة الأردنية ووزارتها

December 26, 2012

  تبعث كلمة الربيع رسالة مفادها الأنبعاث والتجدد واستمرارية الحياة، وهذه رسالة بيئية تؤكد قيم الأمل والبقاء. ولا شك بأن نجاح تعبير “الربيع العربي” مرّده شعور الأمل الذي يبثه هذاالتعبير. ولكن أين البيئة من أولويات ومسببات ومآلات الثورات التي تعصف بالعالم العربي والأردن؟

في البداية لا يمكن إنكار دور نقص وعدالة توزيع الموارد كدافع أساسي للثورات والإحتجاحات، بالإضافة لعدم شعور الناس بالسيطرة على مقدّراتهم، سواءاً كانت هذه المقدرات موجودة أم مفترضة. وفي المحصلة فالموضوع متعلق بالموارد والإحباط الناتج عن عدم الحصول على كميات كافية منها. المطلوب من البيئة بإستمرار هو تزويد حاجات المجتمع من الموارد، سواءاً كانت هذه المأكل او الملبس أو المسكن أو الماء أو الطاقة أو غيرها من السلع التي تباع أو تستهلك محلياً. فهل البيئة قادرة على ذلك، وهل إدارتنا الحالية لها كفيلة بتعظيمها وإدامتها، أم بإستنزافها وإندثارها؟

بداية لا بد من الإشارة الى أن الوعي البيئي السائد بشكل عام هو وعي مستورد من حيث أولوياته ومفاهيمه، مما يعطيه نكهة نخبوية، حيث يشعر أغلب الناس بأن القضايا البيئية وتحدياتها ترف لا يجب أن تلتفت اليها الآن، لوجود مشاكل أكثر الحاحاً. بالطبع فإن هذا ليس صحيحاً، ونحن ندفع يومياً ثمن سؤ إدارتنا لمواردنا البيئية، بدءاً بأزمات السير ومروراً بإرتفاع كلف تدفئة المنازل وليس إنتهاءاً بإنقطاع المياه، وسنستمر بالدفع بشكل متسارع إذا استمرينا بتجاهل هذا التحدي. ولسؤ الحظ فإن أجندة البيئة غائبة عن شعارات الجماهير والحكومات لغاية الآن.

بالطبع هذا ليس مستغرباً برأيي. ليس فقط لغياب الوعي البيئي، ولكن لأن تحّمل تبعات موائمة قدرة البيئة على الإعالة مع إحتياجات السكان سيتحملها بالضرورة هؤلاء، وبالتالي فشعارات كهذه ليست جّذابة بالتأكيد. نريد حلول تبعد عن التضحيات الشخصية لأن الهدف هو المحافظة على مستوى المعيشة لا تخفيضها. والإفتراض السائد هو أن غياب الرفاهية المطلوبة سببه الفساد والهدر وسؤ إدارة الموارد، لا عدم كفايتها.

لا شك أن الفساد وسؤ الإدارة عدالة التوزيع قضايا هامة، ليس لأن من شأن حلها رفع مستوى حياة السواد الأعظم من الناس، بل لأن من شأن الشعور بالعدالة والسيطرة الفعلية على الموارد أن يزيد من الشعور بالمسؤولية والإدارة الحصيفة والمستدامة لها. ولا يمكن القول بأن الإدارة التقليدية للبيئة في العالم العربي هو نموذج يمكن ان يعتبر مثالياً. وبالتأكيد فهي إدارة أدت الى الكثير من المآزق المستعصية التي سنعاني منها لفترة طويلة.

فخلال الخمسين سنة الماضية تم إستنزاف الأراضي الزراعية والمراعي والموارد المائية والثروات الطبيعية، بشكل لا يمكن العودة عنها بسهولة أو بكلفة بسيطة. وفي نفس الوقت فقد إزداد أعداد السكان أضعافاً مضاعفة وبشكل متسارع ، مما أوسع الهوة ما بين الموارد والسكان، خاصة بغياب آليات لخلق موارد كافية إضافية كالصناعات بأنواعها. وما يفاقم المشكلة زيادة متطلبات الناس الإستهلاكية بشكل واضح.

لذا فإن جذور اسباب الإحباط موجودة في سؤ تقدير الموارد والإحتياجات على المديين القصير والطويل. بالطبع فإن الأنظمة الحاكمة مسؤولة ليس فقط عن الفساد والهدر في إدارتها المالية والإقتصادية، ولكن أيضاً عن نظرتها قصيرة الأفق نحو إدارتها للموارد الطبيعية الموجودة.

ولكن توزيع الملامة ليس كفيلاً بحل المشاكل الناشئة عن الجور المستفحل على البيئة، ولا يمكن توقع حل مشاكل المجتمعات العربية من خلال تغيير أنظمتها السياسية، إلا اذا تغيرت المفاهيم الحاكمة نحو الموارد كذلك.

في حالة الأردن تحديداً، فإن إدارة الموارد البيئية موزعة بين العديد من الوزارات والمؤسسات، مما يعني بالضرورة تضارب في الرؤى والمصالح. ومع غياب رؤية متكاملة حول تعظيم الموارد وإدامتها، فنجد أن تنظيم الأراضي مثلاً لا يأخذ بعين الإعتبار قضية النقل العام وتقليل أستهلاك الوقود. ولغياب أهداف مشتركة لوزارات المياه والزراعة والنقل والطاقة بالإضافة الى البلديات فنجد ما نجده من عشوائية في التخطيط وبعدها عن التكاملية. لذلك ابتعدنا عن الإكتفاء الغذائي وسهولة الإنتقال ومعقولية كلفته وحتى عن كفاءة في توزيع مياه الشرب.

وعند التفكير بوزارة البيئة، نعلم بأن دورها في كل هذا محدود ومحدود جداً، نظراً لمحدودية صلاحياتها الإدارية والقانونية بالإضافة الى عدم محاولتها تشكيل رؤية وطنية متكاملة حول التخطيط لموارد الدولة البيئية بالإضافة الى إدارتها. غياب الرؤية هذه ادت الى تشكل شعور بغياب دور وأهمية هذه الوزارة. لا يغيب عن البال رغبة المؤسسات المعنية بالحفاظ على صلاحياتها، وبالتالي محاولة تحجيم وزارة البيئة بالذات.

ولكن الإنصياع لفكرة غياب اهمية دور وزارة البيئة لا يجب ان يؤدي الى الإستنتاج بأن أدارة بيئية موجهه ومتكاملة هي ليست أولوية وطنية. نحن الآن ندرك أكثر من أي وقد سابق قيمة فدرتنا على الإعتماد على انفسنا ومواردنا، تجنباً لرهن حاضرنا ومستقبلنا لاجندات لا نستسيغها أو نرضاها. يجب التأني في التفكير بمن سيقوم بهذا الدور، بعيداً عن حساسيات الهيئات والوزارات المعنية. إذا كان الإصرار على إلغاء وزارة البيئة موجود، فيجب التفكر بجهة تقوم على عاتقها التخطيط البيئي الوطني الاستراتيجي نحو الاكتفاء الذاتي و الإستدامة. لا يمكن تجاهل هذه الحاجة.

ألغد 26/12/2102 صفحة 20.